النجاح رحلة
استراتيجية
النجاح
على
مر الزمان كان هناك رجال ونساء حققوا النجاح في حياتهم وخلَّد التاريخ أسماءهم. في
العلوم خلَّد التاريخ أرسطو وأفلاطون وأرخميدس وابن النفيس والفارابي وأديسون
وأينشتاين ...، وفي الخطابة والدعوة والتضحية خلَّد التاريخ موسى وعيسى ومحمد (
عليهم الصلاة والسلام ) وخلَّد قسّ بن ساعدة وأئمة الدعوة الإسلامية على مرِّ
العصور. وفي العمارة خلَّ المهندس سنمَّار ... ومن النساء خلَّد مريم وفاطمة
وعائشة والخنساء ( رضي الله عنهن )، وأخريات غيرهن ممن كان لهن باع في العلوم
والفنون المختلفة. وفي القيادة والفنون العسكرية خلَّد التاريخ الاسكندر المقدوني،
وخالد بن الوليد وسعد بن أبي وقاص ( رضي الله عنهما )، وصلاح الدين الأيوبي ومحمد
الفاتح ( رحمهما الله ) وغيرهم كثير ممن لا يتسع المجال لذكرهم.
هل تعرف أناسا ناجحين في حياتهم؟ بالتأكيد الجواب نعم. إذن كيف استطاع هؤلاء تحقيق النجاح؟ ما هي استراتيجيتهم للنجاح؟ وهل يمكنني ويمكنك أن تستفيد من تجاربهم وتسقطها على واقعك وحياتك؟ بالتأكيد الجواب نعم كذلك. فكيف يكون ذلك ؟؟
الاستراتيجية كما يعرفها علماء الإدارة هي الطريق الدائم الذي يسير عليه الإنسان في حياته. ونحن نحتاج دائما إلى الاستراتيجيات في مواقف مختلفة من حياتنا. فنحتاج على سبيل المثال إلى استراتيجية للحوار مع الأبناء، واستراتيجية لعرض خدماتنا على العملاء، واستراتيجية أخرى لتوزيع الوقت بين مشاغل اليوم... وهكذا. إذن فإن الانسان يستخدم العديد من الاستراتيجيات اليومية في حياته وعلاقاته. فإذا عرفنا استراتيجيات الناجحون واستخدمناها فستقودنا إلى النجاح، بإذن الله. فما هي استراتيجية النجاح ؟!!
إن الاستراتيجيات التي يستخدمها الانسان في موقف ما قد تقوده للنجاح في المهمة وقد تفشل. وهذه الاستراتيجيات انغرست وانطبعت في نفس الانسان وعقله منذ الصغر فهو يستخدمها بشكل تلقائي ( لاواعي )، ويستطيع تغييرها إذا تنبه للعيب الذي فيها وعمل على تعديلها ذلك. وسنتعرف في هذا الفصل على خصائص استراتيجيات النجاح لدى الناجحين، ويستطيع كل إنسان بعد ذلك بدراسة استراتيجياته أن يعرف إن كانت تتحلى بتلك الخصائص أم لا.
ولعل القصة التالية تكون أبلغ في التعبير عن مفهوم الاستراتيجية. يحكى أن رجلا أعمى جلس على احدى عتبات عمارة ووضع قبعة بين قدميه وبجانبه لوحة مكتوب عليها: " أنا أعمى أرجوكم ساعدوني". فمر رجل متخصص في الدعاية والاعلان بالأعمى ووقف ليرى أن قبعته لا تحوي سوى قروش قليلة فوضع المزيد فيها، ومن دون أن يستأذن الأعمى أخذ لوحته وغير الإعلان المكتوب عليها. عندما انتهى أعاد وضع اللوحة عند قدم الأعمى وذهب في طريقه.
وفي نفس ذلك اليوم مر رجل الإعلانات بالأعمى ولاحظ أن قبعته قد امتلأت بالقروش والأوراق النقدية. فعرف الأعمى الرجلَ من وقع خطواته فسأله إن كان هو من أعاد كتابة اللوحة؟ وماذا كتب عليها! فأجاب الرجل: " لا شيئ غير الصدق، فقط أعدت صياغتها". وابتسم وذهب. عرف الأعمى لاحقا أن ذلك الرجل قد كتب على لكن اللوحة : " نحن في فصل الربيع لكنني لا أستطيع رؤية جماله". النص الأول يذكر الحقيقة مجردة، أما النص الثاني فإنه يبين ما يترتب على هذه الحقيقة من ألم. وهنا يكمن الفرق في الاستراتيجية.
ولعل أفضل وسيلة للتعرف على الاستراتيجيات الناجحة وخصائصها هو التعرف على استراتيجيات الناجحين في الحياة. وبتتبع ودراسة العديد من الشخصايات الناجحة وجد أن هناك خصائص مشتركة تربط بين استراتيجيات هؤلاء الناجحين وسنتناول هذه الخصائص بالشرح والتوضيح في الأسطر التالية :
ولنبدأ أولا بالتعرف على عناصر الاستراتيجية. النموذج التالي يوضح العناصر الثلاثة الأساسية للإستراتيجية. وهذا النموذج بني على أساس العديد من الدراسات التي أجريت بغرض نمذجة (modeling) (وضع نموذج عام يمثل) الشخصيات الناجحة. وقد وجد أن الاستراتيجية الناجحة تحتوي على ثلاثة عمليات أساسية :
- تحديد الهدف،
- المبادرة للعمل،
- المرونة.
فبالنظر إلى النموذج السابق فإن الاستراتيجية الناجحة تبدأ بتحديد الهدف المراد الوصول إليه، ثم يبادر الانسان بالعمل لتحقيق ذلك الهدف مع التركيز وإرهاف الحواس للتحقق باستمرار من أنه يسير باتجاه الهدف، وفي هذه الأثناء يتساءل باستمرار، هل تحقق الهدف، فإذا كانت الإجابة نعم أوقف العمل، وإلا اتجه إلى عملية المرونة للبحث عن وسائل أخرى توصله للهدف، ثم عاد إلى العمل وهكذا.
فعلى سبيل المثال إذا كان البائع يتحاور مع مشترٍ ليقنعه باتمام عملية الشراء، فعلى البائع قبل البدء بالعمل أن يحدد هدفه. فلو بدأ الحواء مع المشتري بدون هدف فإن الحوار ربما يتحول إلى حوار في الاقتصاد أو السياسة أو قد يخوض في المشكلات الاجتماعية وينتهي الوقت ولم يحقق البائع هدفه. إذن يبدأ البائع بتحديد الهدف ولنقل إنه إقناع المشتري بجودة السلعة وأنها ستؤدي الغرض الذي يسعى المشتري لتحقيقه وبسعر مناسب. والآن يمكن أن يبدأ بالعنصر الثاني من الاستراتيجية وهو : المبادرة للعمل لتحقيق الهدف مع إرهاف الحواس. فيبدأ الحوار مع المشتري ويسأله عما يريد، فإذا قال المشتري أنه يبحث عن هدية لصديق بمناسبة نجاحه، فيعرض عليه بعض الهدايا عالية الجودة المناسبةللغرض ، فإذا لم يناسبه شئ منها، اتجه نحو عملية المرونة ليختار طريقة أخرى والتي قد تكون من خلال السعر، فيعرض مجموعة أخرى ذات سعر أرخص، فإذا لم يناسبه شئ منها، اتجه نحو المرونة مرة أخرى وربما سأل المشتري عن المواصفات التي يرغب في توفرها في الهدية. وهكذا يستمر في التنويع في أساليبه وخياراته مستعينا بصندوق العدة ( المرونة ) حتى يصل إلى هدفه وتنتهي العملية.
إن ما يميز بين الإنسان الناجح والفاشل هو عنصر المرونة. فالإنسان الناجح يمتلك مخزونا كبيرا من البدائل والأساليب والأدوات في صندوق عدّته. فإذا لم تفلح الأداة الأولى جرّب الثانية ، وهكذا حتى يحقق هدفه.
كان هذا ملخص استراتيجية النجاح في شكلها العام. وهي عبارة عن طريقة دائمة يستعملها الانسان لتحقيق أهدافه، تبدأ بتحديد الهدف أولا، ثم تبادر للعمل لتحقيق الهدف مع إرهاف الحواس ثانيا، وتقوم بتغيير الوسيلة لتحقيق الهدف باستخدام صندوق العدَّة ( المرونة ) ثالثا.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق