الخميس، 2 مارس 2023

مقدمة - كتاب: عيون وعيون وآفاق: استراتيجيات النجاح

    الحمد لله الذي علَّم بالقلم، علَّم الانسان مالم يعلم، والصلاة والسلام على النبي الأمي الذي كان خير معلم، وبعد . .

    كمّ هائل من الاكتشافات توصّل إليها الانسان في المائة سنة الأخيرة، زادت من معرفته بالكون والبيئة المحيطة به، وزادت بالتالي من مدى استفادته واستغلاله لتلك البيئة. جميع تلك الاكتشافات جاءت نتيجة تأمل الإنسان لمحيطة بعد وصول تلك المعلومات إلى عقله عبر الحواس، والتي تأتي العينان في مقدمتها. نتيجة للتفكير في المعلومات الواردة يزداد وعي الإنسان بمحيطه مما يؤدي إلى اتساع أُفُقِه. إذن فالعينين وأخواتها من الحواس هي قنوات الاتصال بين الانسان ومحيطه، والعقل يقوم بمعالجة ما يرد عبر الاتصال لتوسيع آفاقه ومداركه، والنتيجة النهائية، معرفة أعمق بكيفية تفاعل عناصر البيئة مع بعضها البعض وكيفية تسخير هذه العناصر لصالح الانسان. قال الله تعالى : ( والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا، وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون ) النحل 78.

    ونتيجة لواقع وظروف طبيعية كان تركيز الانسان على اكتشاف البيئة المحيطة به أكثر من تركيزه على اكتشاف نفسة، نتيجة لافتراض داخلي، ربما، بأنه يعرف نفسه ولن يجد الكثير ليكتشفه فيها. وفي السنوات الثلاثين الأخيرة من القرن العشرين ظهرت العديد من المدارس البحثية التي تهتم بدراسة الإنسان بذاته، وبدأت نتائج هذه البحوث في الظهور. بعضا من هذه المدارس كان تركيزه على الجانب العقلي والنفسي لأسرار الإنسان. فنُشرت العديد من الدراسات حول عقل الانسان ونفسه وكيفية عملهما، ووظائف كل من فصي الدماغ الأيمن والأيسر، ودراسات أخرى مرتبطة بها حول جوانب مختلفة من النفس البشرية وما يرتبط بها من مشاعر وأفكار وسلوك. وكان الجديد في الأمر ظهور تطبيقات عملية لهذه الدراسات تعمل على الاستفادة من نتائج هذه الدراسات لزيادة فعالية الانسان في الاستفادة من قدراته العقلية والنفسية. قال تعالى : ( وفي الأرض آيات للموقنين، وفي أنفسكم افلا تبصرون ) 20-21 الذاريات.

    قال لي صديق مرة بينما كنت أستعد لتقديم دورة في البرمجة اللغوية الإدراكية ( NLP )، إن هذه العلوم التي تعلمونها للناس لم يحتج إليها سلف هذه الأمة! وكأنه يريد القول : إنكم لن تأتوا بجديد، وما تقدمونه نوع من بيع الوهم، كما يقول البعض. فقلت له إن سلف الأمة لم يحتاجوا أيضا إلى الفيزياء والعلوم الأخرى التي نتعاطاها هذه الأيام ونستفيد من منتجاتها. وقد ظلت الطاقة النووية، على سبيل المثال، كامنة في نواة الذرة منذ خلق الله الكون ولم يكتشفها الانسان إلا مؤخرا، ونحن نزعم أن ما في نفس الانسان وعقله من أسرار وطاقات هو أكبر مما في الكون، وقد بدأت بعض هذه الأسرار في الظهور وعلينا الاستفادة منها وتعريف الناس عليها.

                                 لله في الكون آيات لعل       ***         أقلها هو ما إليه هداك    

                                ولعل ما في النفس من آياته  ***     عجب عجاب لو ترى عيناك

    تقوم هذه العلوم على أن عقل الإنسان ونفسه يمتلك طاقات هائلة لم يتم اكتشافها ومن ثم الاستفادة منها، وأنه بالتعرف على هذه الطاقات وكيفية استخدامها لدى المتميزين من الناس يمكننا رفع القدرات الشخصية بدرجة هائلة. وتبدأ الخطوة الأولى بالعمل على إعادة إدراك المحيط بشكل مختلف للخروج من إطار البرامج العقلية اللاواعية التي تحد من قدراتنا وإدراكنا. قال تعالى : ( الذي خلق سبع سماوات طباقا ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت، فارجع البصر هل ترى من فطور) الملك 3. إذن فالمطلوب إعادة الإدراك بشكل مختلف. وهذا ما سنعمل على تحقيقه في هذا الكتاب بإذن الله.

    إدراك الحقيقة واحدة من المطالب التي يسعى الإنسان للوصول إليها منذ الأزل. وسعة الإدراك ( الأفق ) من المتطلبات الأساسية لإدراك الحقيقة. ولا يمكن ذلك إلا بجمع المعلومات عن طريق العينين وباقي الحواس. ولعل من المفارقات أنه كلما ازداد الانسان علما فإن إدراكه يزداد ويقيد في نفس الوقت!!!

     يزداد إدراكه لأنه تعرف على شئ جديد وأصبح يفهم هذا الشئ، ويقيد لأن هذه المعرفة سوف تشعره بعدم الحاجة لمزيد من البحث والتأمل في هذا المجال. وإليك المثال التالي ليتضح المقصود: تعرفك على معالم حي جديد سكنت فيه منذ أيام تكون مندفعة في الأيام الأولى نتيجة الرغبة في معرفة كيفية الاستفادة مما في الحي من مقومات الحياة، وكلما ازدادت معرفتك بمعالمه قل تدقيقك في هذا الأمر حتى تصل إلى درجة تظن فيها أنك تعرف كل صغيرة وكبيرة فيه، مما لا يجعلك تلتفت إلى ذلك مستقبلا ويحد من قدرتك على توسيع إدراكك لهذا الحي.

     هدف هذا الكتاب سيكون التعرف على بعض المواطن في حياتنا اليومية التي وصلنا فيها إلى نوع من الشعور بالتشبع المعرفي مما يؤدي إلى تفويت الكثير من المعلومات الواردة عبر العيون  وعدم الاستفادة منها في توسيع آفاقنا، مما يقيد قدرتنا على توسيع إدراكنا، وبالتالي تقليل قدرتنا على المرونة والاستفادة من طاقاتا المخبوءة.

    وفي النهاية سيكون بمقدورنا النظر إلى العالم من خلال مزيد من العيون والعيون والآفاق الرحبة المتسعة. فإلى فصول الكتاب.



البساطة مقابل والتعقيد

       البساطة والتعقيد وجهان لعملة واحدة. كلاهما على نفس القدر من الأهمية، وبدون أحدهما ، من المحتمل أن يختفي الكون من الوجود. فلولا تعقيد ...