الجمعة، 3 مارس 2023

المبادرة للعمل - استراتيجية النجاح - - الفصل الثالث كتاب: عيون وعيون وآفاق: استراتيجيات النجاج

     العنصر الثاني من عناصر استراتيجية النجاح هو المبادرة للعمل. كم من الخطط والأهداف بقيت حبيسة الأدراج نتيجة عدم المبادرة للعمل لتحقيق هذه الأهداف والخطط! ومن هنا تأتي أهمية المبادرة للعمل. ومن هنا جاء هذا العنصر ثانيا في استراتيجية النجاح. يقول الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) : ( بادروا بالأعمال سبعا هل تنتظرون إلا فقرا منسيا أو غنى مطغيا أو مرضا مفسدا أو هرما مفندا أو موتا مجهزا أو الدجال فشر غائب ينتظر أو الساعة فالساعة أدهى وأمر ) رواه الترمذي في سننه. ولعل ما سبق بيانه في فن تحديد الهدف مما يساعد على المبادرة بالعمل لتحقيق الهدف. وسنتناول في هذا الفصل الحديث عن المبادرة للعمل لتحقيق الهدف.

    الفاصل الرفيع المُمَيِّز بين الأحلام والأهداف يكمن في المبادرة للعمل. فبالمبادرة إلى العمل يتحول الحلم إلى حقيقة ويستحق أن يسمى هدفا حينذاك. كثير من الناس يقضي أوقاتا طويلة على أريكته مستلقيا، وربما لو سألته ماذا تفعل؟ أجابك بفمٍ ملآن : أخطط وأضع أهدافا مستقبلية. إن عدم المبادرة للعمل يحول الأهداف إلى مجرد أحلام لا تقدم ولا تؤخر.

   

الخط الرفيع الفاصل بين الاسترخاء والاستمتاع بالأحلام الوردية والعمل الجاد لتحقيق الأهداف

    جلس ثلاثة حمّارين ( عمّال على الحمير ) يتجاذبون أطراف الحديث في وقت استراحتهم. فقال أحدهم : ماذا يتمنى كل منكم أن يطلب مني لو صرت حاكما لهذه البلدة! فقالوا له : وماذا يمكن أن نتمنى من حمّار. فقال لهم : يوما ما سأصبح الحاكم، فليتمنّ كل منكم أمنية وسأحققها له. فقال أحدهم : أتمنى أن أحصل على كذا وكذا ، وذكر أمنيته. أما الآخر فقال على سبيل التهكم : إذا أصبحت الحاكم، فأركبني على حمار واجعل وجهي نحو الخلف ودُر بي في شوارع المدينة مناديا بأقذع ما يخطر على بالك من العبارات عليَّ. وكانت هذه طريقتهم في التشهير بالآخرين.
    ومرت الأيام، وبينما كان حاكم المدينة يجلس في ديوانه، تذكر تلك الحادثة فأمر أحد جنوده بالذهاب إلى مكان وصفه له، وقال له : ستجد هناك رجلين حمّارين فات بهما. ذهب الشرطي إلى العنوان الموسوم فوجد الرجلين، فقال لهما : إن الحاكم يريدكما، فنظر أحدهما إلى الآخر كأنما يتساءلان : وماذا يريد الحاكم منا؟ فلما صارا في ديوان الحاكم أخذ يذكرهما بالحديث الذي دار بينهما وبين صديقهما الحّمار، فلما تذكرا الحادثة، أخذا يتفرسان في وجه الحاكم ويسألان : وكيف عرفت بتلك الحادثة؟ وبينما هما يتفرسان في وجهه، تملكهما العجب. فإن صاحبهما الحمّار هو الجالس على كرسيّ الحاكم. فقال لهما : لقد آن أوان الوفاء بالوعد. فتهلل وجه الأول، أما الآخر فأخذ يتلجلج في الكلام ويقول : يا سيدي الحاكم : لقد كانت مجرد أحاديث نُزجي بها الوقت. فقال : كلا لم تكن كذلك، وإنما كان وعدا قطعته على نفسي، وقد آن أوان الوفاء...
    نعم لم تكن مجرد أحلام فقد بادر إلى العمل حتى وصل إلى ما كان يهدف إلى الوصول إليه. فرسم الأهداف والحلم بتحقيقها ينبغي أن يتبعه على الفور المبادرة للعمل حتى يتحول الحلم إلى حقيقة.
    نحتاج أثناء عملنا لتحقيق أهدافنا إلى إرهاف الحواس للتحقق من أننا نسير نحو الهدف المرسوم. عندما حددنا أهدافنا في المرحلة الأولى، وضعنا مجموعة من المواصفات التي تعرِّف هدفنا، قد يكون ضمن هذه المواصفات معلومات كمية وكيفية توضح طبيعة هذا الهدف، وخلال المرحلة الثانية ( المبادرة للعمل ) يجب علينا أن نُرْهِفَ حواسنا للتأكد من وصولنا إلى الهدف بنفس المواصفات والمعايير. إرهاف الحواس يساعدنا على جمع أكبر قدر من المعلومات البصرية والسمعية والحسية عن الهدف بحيث يمكن مقارنتها مع المواصفات المطلوبة للهدف، فإن تحققت تلك المواصفات فنكون بذلك قد أنهينا الاستراتيجية بتحقيق الهدف وإلا فعلينا البحث عن طريقة أخرى تحقق هدفنا وذلك من خلال عنصر المرونة من عناصر الاستراتيجية. كلما كانت قدرتك عالية على إرهاف حواسك، كلما ازدادت درجة نجاحك في تحقيق الهدف، لقدرتك على التحقق من وصولك للأهداف المرسومة لا غيرها.

 

خلق الله الانسان وزوده بالحواس الخمس وأعطى كل حاسة قدرات محددة. تعمل هذه الحواس في النطاق الذي حدده الخالق سبحانه وتعالى، ولكن مع مرور الزمن تصاب هذه الحواس بما يطلق عليه تبلد الحسّ. يمكن أن نفسر تبلد الحس بأنه نظرا لتكرر الاحساس بشئ ما فإن عقل الانسان يغفل هذا الشئ في المستقبل نظرا لأنه أصبح شيئا مألوفا. هذه العملية تحدث مع جميع الحواس الخمس. ونظرا لذلك نحتاج من وقت لآخر أن نقوم ببعض التمرينات للحواس التي تعيد لها النشاط وترفع من قدراتها. وكمثال على ذلك كتمرين لحاسة البصر تأمل في مشهد معين لمدة دقيقة ثم أغمض عينيك وصف ذلك المنظر لزميل بكل تفاصيله، ثم افتح عينيك وتأمل المنظر دقيقة أخرى ثم أغمض عينيك وصف المشهد مرة أخرى ستجد أن هناك عناصر لم تذكرها في المرة الأولى.

تأمل في الصورة التالية لمدة نصف دقيقة وعدّ كم وجها ترى؟ تأمل مرة أخرى لمدة نصف دقيقة، كم وجها جديدا يمكنك رؤيته؟ تأمل مرة ثالثة، هل يمكنك رؤية مزيد من الوجوه؟ 


    هل لا حظت كم من المعلومات الجديدة يمكنك اكتسابها بإرهاف حاسة واحدة فقط! فكم من المعلومات ستكتشف لو أرهفت جميع حواسك!!
    أمر آخر يؤثر على دقتنا في رصد المعلومات هو التركيز. تركيزنا على أمر محدد يفقدنا التركيز على الأمور الأخرى حتى ولو كانت في مجال حواسنا. قم بالتمرين التالي لترى هذا الأمر في حاسة البصر. مد ذراعك أمام وجهك وارفع اصبع السبابة بحيث يقع في مجال بصرك. قم الآن بالتركيز ببصرك على نقطة تقع خلف إصبعك بينما يبقى الاصبع مكانه. لاحظ أنه كلما ازداد تركيزك على تلك النقطة قل ادراكك لاصبعك حتى يكاد يختفى. نفس هذه الظاهرة يمكن ملاحظتها مع السمع والحواس الأخرى.
    من المهم جدا أثناء عملنا لتحقيق أهدافنا أن نرهف حواسنا بشكل كامل لتساعدنا على ملاحظة مواصفات الهدف وهذا سيختصر الوقت اللازم لتحقيق الهدف. كما أن هذه الحواس ستلاحظ تتابع الدلائل التي تدلنا على اقترابنا من أهدافنا، وملاحظتنا لهذه الدلائل سيزيد من جذوة الحماس لهذه الأهداف بشكل كبير.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

البساطة مقابل والتعقيد

       البساطة والتعقيد وجهان لعملة واحدة. كلاهما على نفس القدر من الأهمية، وبدون أحدهما ، من المحتمل أن يختفي الكون من الوجود. فلولا تعقيد ...